في الصباح، ذهب آمناً مطمئناً إلى الحقل بعد أن انتهت طاحونة الثأر بينه وبين أبناء عمه، وأصبحت له العزوة التي طالما تمنى، ومن الحقل كانت تنبعث رائحة عبقة في الأجواء حلت محل رائحة البارود التي كانت تحول دون ذهابه إلى أرضه لسنوات… دفعته الرائحة المعطرة بعرق الفلاحين إلى أن يهرول متجهاً إلى حقله، يمشي وبداخله فضول أسئلة عما لحق بالأرض؛ حركته القلقة كثيرة الالتفات معهودة في مناطق الثأر، لاحظ أنّ أولاد عمه يحاذونه في طريق موازٍ؛ هم مثله، يريدون الاطمئنان على أرضهم التي حرثوها وبذروها من أسبوع.
خاف، خصوصاً أنهم قتلوا من أيام ابن عمهم الثامن والأربعين، وبذلك يكونون تساووا في عدد القتلى من الجانبين… ساروا بحذر متبادل، وجدوا الأرض قد استوطنتها ضباعٌ كانت تخشى أن تقترب من حدود قريتهم بسبب كثرتهم، وقوتهم وأسلحتهم، لمحتهم الضباع دون سلاح فبادرت بالانقضاض عليهم، إلا أنها لم تنل وهدان بسوء، ذلك أنه كان أطيبهم، وهو ضد الثأرات، وينادي بالصلح. من يومها لم يعد للقرية التي كانت شؤماً على إخوته وبني عمه، وكثرت الروايات حول تبني الضباع له، وانتقاله معهم إلى مكان داخله مفقود والخارج منه مولود، هذا ما حفظه الصغار من روايات وحكايات كانت تصبها أمهاتهم في مسامعهم قبل نومهم كل ليلة.